ذكر الحكم بعده وهو حسن التكليف فقال"لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا"فانظر إلى هذه المناسبات العجيبة والأسرار اللطيفة ثم إن المفسرين ذكروا في تفسير أحسن عملا وجوها:
الأول: قال أبو قتادة: المعنى أيكم يأتي بالأعمال على وجه الإخلاص والصواب لأن العمل إذا كان صوابا غير خالص لم يقبل أيضا بل المقبول هو أن يكون صوابا وخالصا لوجه الله والصواب هو أن يكون على وفق أمر الله والخالص هو أن يؤتي به لوجه الله.
الثاني: قال أبو قتادة سألت رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلّم عن هذه الآية فقال: يقول أيكم أحسن عملا قال عليه السلام أتمكم عقلا أشدكم خوفا وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه [1] نظرا وإنما جاز تفسير حسن العمل بتمام العقل لأن حسن العمل من نتائج كمال العقل فمن كان أتمّ عقلا كان أحسن عملا.
الثالث: قال الحسن: أحسن عملا أزهد في الدنيا وأشدّ تركا له.
واعلم أنه تعالى لما ذكر حديث الابتلاء قال بعده:"وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ"أي وهو الغالب الذي لا يعجزه من أساء في الأعمال الغفور لمن تاب وآمن وأناب وإنما قدم ذكر العزيز على الغفور ليظهر به كمال الدرجة لأن الإنسان قد يغفر ذنب عبده إما لأنه لا يقدر على الانتقام في الحال أو لأنه وإن قدر عليه في الحال لكنه تركه لأنه يخاف توابع ذلك الانتقام وعواقبه فها هنا ذكر تعالى أنه عزيز قادر قاهر غالب لا يمتنع عليه فعل شيء ولا يخاف عاقبة شيء من
(1) راجع: تفسير القرطبي، ج (9) ص (9) ، سورة هود وفيه أن عيسى عليه السلام مرّ برجل نائم فقال: يا نائم قم فتعبد فقال يا روح الله قد تعبدت فقال: وبما تعبدت .. ؟ قال: تركت الدنيا لأهلها قال: نعم فقد فقت العابدين وهذا لا يجوز في شرع الله لقوله (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) سورة الملك، آية (15) .