الغلط في النظرة الواحدة ولكن ارجع البصر واردد النظر مرة بعد أخرى حتى تتيقن أنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت ولا عيب ولا فطور، والعجب أنه تعالى قال"الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"ثم بيّن في هذه الآية أنه ليس فيها عيب ولا فطور ونظير هذه الآية قوله تعالى"وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ"فليس فيها فطور ولا فروج وليس فيها تفاوت بل هي سبع شداد وسبع طباق وبناء مرفوع وسمك مصنوع وفيها آيات قاهرة وبراهين باهرة على وحدة صانعها وقدرة مقدرها؛ ثم قال تعالى"ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ"أمره بتكرير البصر في خلق السماوات على سبيل التصفّح هل تجد فيه عيبا وخللا يعني أنك وإن كررت هذا النظر مرارا وأطوارا لم يرجع إليك بصرك بما تطلبه من وجدان الخلل والعيب بل يرجع إليك خاسئا إي مبعدا وهو مأخوذ من قولك خسأت الكلب إذا بعدّته؛ قال المبرد [1] : الخاسئ البعيد المصغي، قال ابن عباس: الخاسئ الذي لا يرى ما يهوى والحسير الكليل والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاده فإنه لا يجد عيبا ولا فطورا ثم قال تعالى وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وسنذكر تحقيق هذه الآية وأسرارها في باب الاستدلال بأحوال الكواكب على وجود الصانع.
فهذا جملة الكلام في هذه واعلم أنه بقي من الصفات المذكورة في القرآن للسماوات صفاتها عند قيام القيامة كقوله تعالى إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [2] إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [3] وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ [4] وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ [5]
(1) هو محمد بن يزيد أبو العباس المعروف بالمبرد. إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، مولده بالبصرة عام (210) ه، ووفاته ببغداد (286) ه، من كتبه:
الكامل، والمؤنث والمذكر وإعراب القرآن. راجع: وفيات الأعيان (495) : (1) .
(2) الانشقاق: (1) .
(3) الانفطار: (1) .
(4) المرسلات: (9) .
(5) التكوير: (11) .