إلى الغاية القصوى في القبح لا جرم ذكر الله تعالى نعمة عظيمة عليهم ليصير ذلك تنبيها على عظم جرمهم وغاية قبح طريقهم ليصير ذلك راجرا لهم عنه؛ فذكر أولا من الحياة التي هي أصل جميع النعم وذكر ذلك بصيغة كيف على سبيل التعجب تنبيها على غاية درجة هذه النعمة وغاية قبح تلك المعصية.
الثانية: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن الكفر من العبد لا من الله، وبيانه من وجوه:
الأول: أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول:"كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ"على سبيل التوبيخ كما لا يجوز أن يقال لهم: كيف يسوّدون ويبيّضون ويصحّون ويشتمون؟ ولما كان كل ذلك إنما يحصل لأن الله تعالى يخلقه فيهم.
والثاني: أنه تعالى لمّا خلقهم للشقاء والنار وما خلقهم إلا للكفر والضلالة والبقاء في النار فكيف يصح أن يقول: كيف تكفرون؟
والثالث: كيف يليق بالحكيم أن يقول: كيف تكفرون بالله حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول: وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [1] حال ما منعهم عن الإيمان ويقول: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [2] ، فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [3] وهو يخلق فيهم الإعراض، ويقول: أَنّى يُؤْفَكُونَ [4] : كيف يصرفون ويخلق الصرف والإفك فيهم، ومثل هذا الكلام بأن يعدّ من السخرية أولى من أن يذكر لأجل إلزام الحجة على العباد.
(1) الإسراء: (94) .
(2) الانشقاق: (20) .
(3) المدثر: (49) .
(4) المائدة: (75) .