حسنة إلا أنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء فلا جرم اتخذوا صورا وتماثيل أنيقة النظر حسنة الرواة على الصورة التي كانوا يعتقدونها من صورة الإله والملائكة ثم يعتكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزلفى من الله سبحانه ومن ملائكته.
فإن صحّ ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد الجسمية في الله سبحانه وتعالى.
الوجه الثالث: أن أصحاب الأحكام من المنجمين كانوا يعيّنون أوقاتا في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين ويزعمون: أنّ من اتخذ طلسما في ذلك الوقت على الوجه الخاص فإنه ينفع في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظّموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به فلمّا بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعادة، ولمّا طالت الأزمنة فالجهال نسوا مبدأ الأمر واشتغلوا بعبادتها.
ومما يدلّ على صحة هذا التأويل قوله تعالى في آخر هذه الآية حكاية عن إبراهيم عليه السلام: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ [1] ؛ وذلك أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم لما طعن في إلوهية تلك الأصنام وحسن عبادتها خوفّوه [2] بوصول بلاء إليه من تلك الأصنام، وقال تعالى أيضا حكاية عن قوم هود: إِنْ نَقُولُ إِلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [3] .
الوجه الرابع: أنه كلما مات منهم رجل كبير في اعتقادهم بحيث يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة مقبول الشهادة عند الله تعالى اتخذوا صنما على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يصير شفيعا لهم يوم القيامة على
(1) الأنعام: (81) .
(2) خوفوه في الأصل: حرقوه.
(3) هود: (54) .