فهرس الكتاب
الثاني: أنه لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيا؛ فلمّا لم يكن الواحد كافيا دلّ على أنها وإن كثرت فلا منفعة فيها البتّة.
وأما قوله:"إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ"فالمعنى ظاهر.
أمّا قوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [1] ففيه مسائل:
الأولى: الكاف في:"وَكَذلِكَ"كاف التشبيه وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره، والذي جرى هاهنا ذكره فيما قبل هو أن أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام بقوله: إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [2] فالمعنى: ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السماوات والأرض.
وهاهنا دقيقة عقلية وهي أن نور جلال الله ظاهر لائح غير منقطع ولا زائل [3] ألبتة والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله، وإذا كان الأمر كذلك فبقدر نزول هذا الحجاب يحصل ذلك التجلي؛ فقول إبراهيم عليه السلام:"أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا"إشارة الاشتغال بغير الله، فأن كل ما سوى الله فهو صنم ثم إنه عليه السلام استقبح ذلك منهم بقوله:"إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ".
فلمّا زال ذلك الحجاب بالكلية لا جرم تجلّى له ملكوت السماوات والأرض فقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [4]
(1) الأنعام: (75) .
(2) الأنعام: (74) .
(3) زائل في الأصل: بزائل.
(4) الأنعام: (75) .