فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 866

المسألة الرابعة: اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل، ولهذا السبب لا يوصف علم الله تعالى باليقين، لأن علمه غير مسبوق بالشبهة وغير مستفاد من التفكر.

واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل فإنه لا ينفك عن شبهة وشك من بعض الوجوه؛ فإذا كثرت الدلائل وتوافرت وتطابقت صارت سبب حصول [1] اليقين وذلك لوجوه:

الأول: أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثير وتقوية فلا تزال القوة تتزايد حتى تنتهي إلى الجزم.

والثاني: أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة [2] ، وكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد فكما أن كثرة التكرار يفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب فكذا هاهنا.

والثالث: أن القلب عند الاستدلال الأول كان مظلما جدا، فاذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد بالدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة القلب؛ فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة فإذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى فيصير الشروق أتم فيه كما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر، وكما أن نور الشمس لا يزال يتزايد بسبب تزايد قربها من سمت الرأس فإذا وصلت إلى قرب الرأس حصل النور التام، فكذا العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة والتوحيد أكثر.

(1) حصول في الأصل: الحصول.

(2) الملكة في الأصل: الملكوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت