بالدعوة إلى التوحيد ومنع القوم عن عبادة الكواكب فالسؤال زائل لأنه من المحتمل إنه اتفق أن كان هو عليه السلام جالسا مع قومه ليلة من الليالي ثم إنه زجرهم عن عبادة الكواكب وبيّن لهم أن ذلك ضلال وجهل، فبيناهم في ذلك الكلام إذ وقع بصرهم على كوكب مضيء فوقعهم في تلك المناظرة ثم لمّا أفل ذلك الكوكب طلع القمر وأعاد عليهم ذلك الكلام وبقوا فيه إلى أن طلعت الشمس فأعاد إبراهيم عليه السلام ذلك الكلام.
أمّا قوله تعالى: فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا إلى قوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ [1] فلا إشكال فيه البتة إلا في موضع واحد، وهو أن يقال: الآية مشعرة بأن في الليلة الواحدة طلع الكوكب ثم أفل ثم بعده طلع القمر ثم أفل وهذا غير ممكن في الليلة الواحدة.
والجواب فيه قولان:
أحدهما أن الكوكب [2] كان في الربع الغربيّ من الفلك فسما بوجهه إلى الأفول وهذه الأحوال يمكن [3] حصولها في الليلة الواحدة.
القول الثاني في الجواب: أن طلوع الكوكب وأفوله كان في ليلة وطلوع القمر وأفوله كان في ليلة أخرى.
واعلم أن القوم كانوا على مذهب المفوضة، ومعنى هذا المذهب أنهم كانوا يقولون: البشر عبيد الكواكب والكواكب عبيد الله سبحانه؛ والدليل عليه:
أن إبراهيم عليه السلام قال:"يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ"وكونهم مشركين يدلّ على أنهم كانوا مقرّين بإثبات الإله، وإنما كانوا مشركين لأنهم أثبتوا للشمس
(1) الأنعام: (77) - (78) .
(2) الكوكب في الأصل: الكواكب.
(3) يمكن في الأصل: لا يمكن.