كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْاتًا فَأَحْياكُمْ [1] وقال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [2] ، وقال إبراهيم عليه السلام في الثناء على الله تعالى: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [3] فلم قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت؟
قلنا: إنه إذا كان المقصود من ذكر الدليل هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل أظهر وأوضح ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر وإطلاع الإنسان عليها أتمّ، فلا جرم وجب تقديم الحياة هاهنا في الذكر، وأمّا تلك الآيات فالمقصود منها تعديد الأحوال الماضية فلا جرم وجب فيها تقديم الموت على الحياة.
أما قوله تعالى:"أُحْيِي وَأُمِيتُ"فاعلم أن المشهور في كتب التفسير أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بهذه الحجة دعا الكافر شخصين وقتل أحدهما واستبقى الآخر وقال أيضا: أنا أحيي وأميت.
هذا هو المنقول في الكتب وهو عندي في غاية البعد ويدل عليه وجهان [4] :
الحجة الأولى: إن الظاهر من حاله عليه السلام إنه شرح حقيقة الإحياء والإماتة على الوجه الملخص؛ فإن إيراد الكلام المجمل المبهم عندما يكون الغرض هو التفهيم والتعليم والزجر عن الباطل والدعوة إلى الحق لا يليق بأقل الناس علما فضلا عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء ومتى لخّص الإنسان حقيقة الإحياء والإماتة امتنع أن يشتبه على السامع هذا الإحياء والإماتة التي أوردهما
(1) البقرة: (28) .
(2) الملك: (2) .
(3) الشعراء: (81) .
(4) وجهان في الأصل: وجوه.