فهرس الكتاب
لأن لقائل أن يقول: حدوث الأنواع المختلفة من النبات إنما كان لتأثير الكواكب والشمس والقمر والنجوم ولمّا كان هذا السؤال مما يذكر على هذا الدليل كان هذا الدليل قبل الجواب عن هذا السؤال غير تام، فكان مجال التفكر والتدبّر باقيا؛ فلهذا السبب جعل مقطع هذه الآية بقوله:"يَتَفَكَّرُونَ"ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال من وجهين:
الأول: قوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [1] .
وشرح هذا الجواب أن يقال: هب أن حدوث الأنواع المختلفة إنما كان لتأثير الكواكب واختلاف الفصول إلا أن حركات الكواكب لا بد لها من مدبّر ولا يتسلسل بل لا بد من الاعتراف بشئ هو مسبب الأسباب ومدبر الكل فيكون حدوث النبات في الحقيقة واقعا بتدبير ذلك المدبر والمؤثر الأول.
وعند هذا يتم الاستدلال ولا يبقى للفكر مجال فلا جرم جعل مقطع هذه الآية قوله:"يَعْقِلُونَ"يعني إن كنتم كاملي العقل فاعترفوا بوجود الإله القادر المختار في هذا المقام فإن الدليل قد تمّ ولم يبق بعده للفكر والنظر مجال.
وهذا التقرير بعينه هو التقرير المذكور في قصة إبراهيم عليه أفضل السلام فإن المنكر لمّا أحال الإحياء والإماتة على الأسباب الفلكية من حيث أنه شبّه ذلك بالإحياء الصادر منا فعند هذا قال إبراهيم عليه السلام: فلا بد لتلك الأسباب الفلكية من مدبر وهو الله سبحانه وتعالى فلا جرم انقطع ذلك الكافر وسكت حتى قال في صفته:"فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ"
فالحاصل: أن المراد من قوله:"فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ"هو المراد من قوله:
(1) النحل: (12) .