كما قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [1] . فلهذا السبب ذكر بعد تلك الدلائل الخمس ذينك المطلوبين: أحدهما إثبات الصانع والثاني إثبات أنه واحد لأن قوله تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا مشتمل على إثبات الإله وعلى إثبات كونه واحدا ثم هاهنا لطيفة أخرى مرعية في هذه الآية وهي إن الترتيب الحسن المفيد في التعليم من الأظهر فالأظهر مرتقيا من الأخفى فالأخفى وهذه الدقيقة مرعية في هذه الآية وذلك أنه سبحانه وتعالى قال:
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ فجعل استدلال كل عاقل بنفسه مقدما على جميع الاستدلالات لأن إطلاع كل أحد على نفسه أتم من إطلاعه على أحوال غيره فيجد بالضرورة من نفسه أنه تارة يكون مريضا وتارة صحيحا وتارة متلذذا وتارة متألما وتارة شابا وتارة شيخا والانتقال من بعض هذه الصفات إلى غيرها ليس باختياره ولا باختيار أحد وأيضا فكثيرا ما يجتهد في طلب شيء فلا يجد وكثيرا ما يكون غافلا عنه فيحصل وعند ذلك يعلم كل أحد عند نقض العزائم وفسخ الهمم أنه لا بد من مدبر يكون تدبيره فوق تدبير البشر وربما اجتهد العاقل الذكي في الطلب فلا يجد والغرّ الغبي يتيسر له ذلك المطلوب فعند هذه الاعتبارات يلوح له صدق قول الشافعي رضي اللَّه عنه:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ويظهر له أن هذه المطالب إنما يحصل ويتيسر بناء على قسمة قسّام لا يمكن منازعته ومغالبته كما قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [2] . ثم إن مراتب هذه الاعتبارات غير محصورة .. فتارة كما في قوله
(1) سورة الأنبياء: (22) .
(2) الزخرف: (32) .