فهرس الكتاب
فإن قال قائل: ألستم قد ذكرتم أن عبدة الأوثان معبودهم هو الكواكب في الحقيقة فكيف تتوجه هذه الدلائل عليهم؟
فالجواب: إنا بينّا في تفسير قوله تعالى: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [1] : أنّ على كل التقديرات الإعراض عن مدبر الأفلاك والأنجم والاشتغال بعبادة الأفلاك والأنجم أو بعبادة أصنامها وتماثيلها عين الجهل فإنه لما دلت الدلائل [2] على افتقار الأفلاك والأنجم إلى الإله الخالق المدبّر وثبت أنه خالق الأفلاك والأنجم لا بد أن يكون قادرا على خلق الناس لأن القادر على الأقوى قادر على الأضعف أولى؛ كما قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ [3] وقال:
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلّاقُ الْعَلِيمُ [4] .
وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بخدمة ربّ الأفلاك والأنجم أولى من الاشتغال بخدمة الأفلاك والأنجم، وقد سبق تقرير هذا المعنى على سبيل الاستقصاء.
النوع الثاني: من [5] كلام إبراهيم عليه السلام مع أبيه قوله: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا [6] واعلم أن هذه الآية فيها إشارة إلى أن روح النبي عليه السلام يتميز عن سائر الأرواح بمزيد الكمال والجلال
(1) الأنعام: (76) .
(2) الدلائل في الأصل: الدلالة.
(3) غافر: (57) .
(4) يس: (81) .
(5) زيادة يقتضيها السياق.
(6) مريم: (43) .