فهرس الكتاب
وتقريره أن العالم عالمان؛ عالم المحسوس وعالم المعقول، والمعقول لا يصير معقولا حتى يثبت له مثال في المحسوس وإلا لكان متخيّلا موهوما، والمحسوس لا يكون محسوسا حتى يثبت له مثال في المعقول وإلا لكان سرابا معدوما.
إذا عرفت هذا فنقول: عالم الروحانيات لا يعرف عددهم وأصنافهم وأنواعهم وأجناسهم إلا الله تعالى، ولا بد فيه من مدبر مطاع نافذ الأمر والقضية في جميع الروحانيات.
وهياكل الروحانيات هي العرش والكرسي والأفلاك والكواكب ولا بد أن يكون ذلك المدبر من جنسهم ولا بد أن يكون كاملا بالفعل لأن الإخراج من القوة إلى الفعل لا يحصل إلا بمن كان مبرّأ عن القوة خارجا إلى الفعل من كل [1] الوجوه.
وأما العالم الجسماني فيجب أن يكون فيه مدبّر كامل من جميع الوجوه ويكون نافذ القضية في جميع الجسمانيات، ويكون تدبيره إخراج ما بالقوة إلى الفعل في أبناء جنسه، فمدبر العالم الرّوحاني هو الروح الأعظم ومدبر العالم الجسماني هو الرسول الأعظم، ثم يكون بين الروح والرسول مناسبة علوية وملاقاة عقلية فيكون الروح الأعظم مصدرا ويكون الرسول الأعظم مظهرا فالروح مبدأ والرسول نهاية وأول الفكر آخر العمل.
وإذا عرفت أن الرسول مدبّر الجسمانيات بإخراج ما فيها من الكمالات من القوة إلى الفعل عرفت المراد من قول إبراهيم عليه السلام: إِنِّي قَدْ جاءَنِي
(1) كلّ زيادة يقتضيها السياق.