لمن حسن خلقه أنّي أظلّه تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدسي وأدنيه من جواري"."
قوله تعالى: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ [1] .
اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى التوحيد وذكر الدليل على فساد عقول عبدة الأوثان، وأردف ذلك الدليل بالوعظ البليغ وأورد كل ذلك مقرونا باللطف والرفق قابله أبوه بجواب غليظ يضادّ ذلك، مقابل حجته بالتقليد فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا قوله:"أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ"فأصر على ادعاء آلهته [2] جهلا وتقليدا وقابل وعظه بالسفاهة حيث لم يهدده بالشتم ولا بالضرب بل بالرّجم وقابل رفقه في قوله:"يا أَبَتِ"بالعنف حيث لم يقل: يا بنيّ! بل قال:"يا إِبْراهِيمُ".
وإنما حكى الله سبحانه وتعالى ذلك لنبينا محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم تسلية له وتعزيّة ليخفّ على قلبه ما يجد من المشركين مما يصل إليه من الأذى، فيعلم أن الجهال منذ كانوا، على هذه السيرة المذمومة.
واعلم أن قوله:"أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ"إنّه إن كان المراد منه الاستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف ممّا [3] يكون منه من وعظ وتنبيه ووعيد ووعد أنّه راغب عن ذلك؛ فما فائدة هذا القول؟ وإن كان ذلك على سبيل التعجب فأي تعجب في الإعراض عن حجر لا يضرّ ولا ينفع؟ إنمّا التعجب كله من الإقدام على عبادتها.
(1) مريم: (46) .
(2) آلهته في الأصل: آلهتها.
(3) ممّا في الأصل: ما.