فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 866

الوجه الثاني في الجواب: في قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [1] .

والاعتزال للشيء هو التباعد عنه والمعنى إني أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم أيضا، وأبعد عنكم وأشتغل بعبادة ربي الذي يضرّ وينفع؛ فأنكم بعبادتكم للأصنام سالكون طريق الهلاك، فواجب عليّ مجانبتكم.

ومعنى قوله:"عَسى أَلّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا"أرجو أن لا أكون كذلك وإنما ذكر هذا الكلام على سبيل التواضع كقوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [2] .

وقوله:"شَقِيًّا"مع ما فيه من التواضع فيه تعريض لشقاوتهم في دعاء آلهتهم على ما قرره أولا في قوله:"لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا".

قوله تعالى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [3] .

واعلم أن أحدا لا يخسر على طاعة الله تعالى فإن إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم في دينهم وبلدهم واختار الهجرة إلى ربّه ما ضرّه ذلك في الدّين ولا في الدنيا بل نفعه فعوّضه الله تعالى أولادا أنبياء فلا منصب في الدين أعظم من أن يجعله الله رسولا إلى خلقه ويوجب عليهم طاعته والانقياد له مع ما يحصل فيه من أعظم المنزلة في الآخرة، فصار أن جعله الله وإيّاهم أنبياء صالحين وذلك من أعظم النعم في الدنيا والآخرة.

(1) مريم: (48) .

(2) الشعراء: (82) .

(3) مريم: (49) - (50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت