ثم بيّن تعالى إنه مع ذلك وهب لهم من رحمته أي وهب لهم مع النبوة أشياء أخر أبهم في ذكرها؛ فيدخل فيها المال والجاه والاتباع والنسل الطاهر والذرية الطيبة.
ثم قال:"وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا"و لسان الصدق الثناء الحسن وعبّر باللسان عمّا يحصل باللسان، واستجاب الله دعوته في قوله:"وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ"فصيّره قدوة حتى ادعى أهل الأديان أنّهم على دينه وملته؛ قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [1] وقال: مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا [2] وقال: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا [3] .
قال بعض العلماء: إن الخليل اعتزل عن الخلق كما قال: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [4] فلا جرم بارك الله في أولاده فقال: وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا [5] وتبرّأ من أبيه في الله على ما قال: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [6] ، لا جرم سماه الله جلّ وعزّ أبا للمؤمنين فقال تعالى:
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [7] وتلّ ولده للجبين ليذبحه في الله على ما قال: فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [8] لا جرم فداه الله تعالى كما قال: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [9] .
(1) الحج: (78) .
(2) آل عمران: (95) .
(3) النحل: (123) .
(4) مريم: (48) .
(5) مريم: (49) .
(6) التوبة: (114) .
(7) الحج: (78) .
(8) الصافات: (103) .
(9) الصافات: (107) .