والجواب: أن هذا الكلام مشوش ونحن قد بيّنا أن لفظ الرشد يتناول أعظم وجوه الإيمان والله تعالى نصّ على أنّه آتاه رشده فكان هذا صريحا في أن الله آتاه إيمانه وأعطاه معرفته.
أما قوله تعالى:"مِنْ قَبْلُ"ففيه وجوه:
الأول: قال ابن عباس وابن جرير الطبري [1] : آتينا إبراهيم نبوّته من قبل موسى.
والثاني: آتينا إبراهيم رشده في صغره قبل بلوغه حين كان في الغار، وهذا قول من حمل الرشد على الاهتداء إلى وجوه المصالح وإلا لزمه أن يحكم بنبوته قبل البلوغ.
والثالث: قال ابن عباس في رواية الضحّاك: المراد حين كان في صلب آدم أخذ الله تعالى ميثاق النبيين.
والرابع: وهو كلام خطر ببالي وهو أنه إشارة إلى العناية الأزلية إلى أن السعيد من سعد في بطن أمه وإلى قوله عليه السلام: (جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة [2] يعني أنه جرى القضاء الأزليّ والحكم السرمدي بجعله من السعداء الأبرار إلا أنه شيء حدث اليوم، وذلك لأن مذهب أهل السنة والجماعة أنه تعالى قضى سعادته في هذا اليوم فحصلت سعادته في هذا اليوم من نتائج ذلك القضاء الأزلي، والمعتزلة يقولون: إنه اشتغل بالإيمان فصيّر اشتغاله
(1) هو محمد بن جرير الطبري: أبو جعفر المؤرخ المفسر الإمام، ولد عام (224) هو توفي عام (310) ه، عرض عليه القضاء، من كتبه: أخبار الرسل والملوك، وجامع البيان في تفسير القرآن وغير ذلك كثير. راجع: تذكرة الحفاظ (351) : (2) .
(2) انظر: المعجم الكبير للطبراني، طبعة العراق، (223) / (11) . كذلك: إتحاف السادة، تصوير بيروت، (226) / (9) و (521) / (10) .