نفسه، وكلّ ما كان ألما فإنّه لا يضيفه إلى نفسه، وذلك رعاية للأدب؛ ألا ترى أنه قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [1] ، وقال: كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [2] ولمّا آل الأمر إلى المشقة لم يضفها إلى نفسه فقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [3] ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [4] ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ [5] .
فلما كانت عادة الله تعالى جارية برعاية هذه الدقيقة لا جرم أن إبراهيم عليه السلام اعتبر هذا المعنى فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى.
فإن قلت: قد نقضه بقوله:"وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ".
فاعلم أن الموت سبب لخلاص الروح عن زحمة البدن والاتصال بحضرة الله تعالى ورحمته فكيف يعد ذلك من المكاره: ولهذا قال عليه السلام: [6] (من بشرّني بخروج صفر بشرته بالجنة) والسبب في ذلك أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان عالما بأنّ وفاته تقع في شهر ربيع الأول، فكان شديد الاشتياق إليه، وأما المرض فإنه لا يخلصّ الرّوح عن البدن بل يبقى في الزحمة.
الثالث: أن غرض الخليل عليه السّلام في هذا المقام - والله أعلم - إظهار لسان الشكر لا إظهار لسكان الشكوى، وإضافة المرض إلى الله يكون شكوىّ، فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى ليكون أبلغ في الشكر.
(1) الأنعام: (54) .
(2) المجادلة: (22) .
(3) البقرة: (178) .
(4) البقرة: (183) .
(5) البقرة: (216) .
(6) انظر: كشف الخفا للعجلوني، (327) / (2) . وتذكرة الموضوعات للفتن، ص (116) . والأسرار المرفوعة لعلي القاريء، ص (333) .