ما كنت موجودا وإذا لم أكن [1] موجودا استحال تحصيل شيء لأجلي ثم مع هذا فأنت قد خلقتني، أما لو عفوت كان ذلك العفو لأجلي فلّما خلقتني أولا مع أنّي ما كنت محتاجا إلى ذلك الخلق فلأن [2] تغفر لي ولأجلي مع إني في نهاية الاحتياج إلى العفو كان أليق بفضلك ورحمتك.
الثالث: أن إبراهيم عليه السلام كان لشدة استغراقه في بحر المعرفة شديد الفرار عن الالتفات إلى الوسائط؛ ولذلك لمّا قال له جبريل عليه السلام: ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا، فها هنا قال:"أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي"أي أريد أن يغفر لي خطيئتي بمجرد إني عبدك ومحتاج إليك وخاضع بين يدي رحمتك، لا أن يغفرها لي بواسطة شفاعة شافع.
واعلم أن الأحوال ثلاثة:
إما الماضي أو الحاضر أو المستقبل وقد ذكر الخليل عليه السلام نعم الله عليه في هذه الأحوال الثلاثة:
أمّا الماضي فهو قوله:"الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ".
وأمّا في الحاضر فهو قوله:"وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ".
وأمّا في المستقبل فهو إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة:
أمّا في الدّنيا فقوله:"وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ".
وأمّا في الآخرة فهو قوله:"الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".
فما أحسن هذا الترتيب!!
قوله تعالى: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ [3] .
(1) أكن في الأصل: يكن.
(2) فلأن في الأصل: فلا.
(3) الشعراء: (83) .