المطلوب الأول: قوله"رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ"و لقد أجابه الله تعالى ألبتة حيث قال: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ [1] .
واعلم أن النفس الإنسانية لها قوتان نظرية عاقلة وقوة عملية فاعلة، فالقوة النظرية عبارة عن القوة التي باعتبارها تقوي إنجلاء القدسية عن عالم الغيب والشهادة والقوة العملية عبارة عن القوة التي باعتبارها تقوى على تدبير هذا البدن وذلك لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به فقوله:"هَبْ لِي حُكْمًا"إشارة إلى سعادة القوة النظرية وقوله:"أَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ"إشارة إلى سعادة القوة العملية، وإنما قدّم السعادة النظرية على سعادة القوة العملية لأن القوة النظرية مقدمة على القوّة العملية بالشرف وبالذات والدليل عليه الوجوه التي ذكرناها في الفصل الأول من هذا الكتاب في بيان أن علم الأصول أشرف من علم الفروع.
وإنما فسرنا الحكم بمعرفة الأشياء [2] وذلك لأن الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلا إذا استحضر في ذهنه صور الماهيات ثم نسب بعضها إلى بعض بالنفي والإثبات فتلك النسبة هي الحكم ثم إن كانت تلك النسبة الذهنية مطابقة للنسبة الخارجية كانت النسبة الذهنية ممتنعة التغير وكانت مستحكمة قوّته فمثل هذا الإدراك يسمى حكمة وحكما وهو [3] المراد من قوله عليه السلام: (أرنا الأشياء كما هي) .
وأما الصلاح فهو كون القوة العملية متوسطة بين طرفي الإفراط
(1) البقرة: (130) .
(2) الحكم بمعرفة الأشياء في الأصل: معرفة الأشياء بالحكم.
(3) وهو زيادة يقتضيها السياق.