والتفريط، وذلك لأن الإفراط في أحد الجانبين تفريط في الآخر وبالعكس فالصلاح لا تحصل إلا بالاعتدال.
ولما كان الاعتدال سببا واحدا لا يقبل القسمة ألبتة والأذهان [1] البشرية في هذا العالم قاصرة عن إدراك ذلك الحدّ على سبيل الحقيقة لا جرم لا يقدر البشر ألبتة على الخروج من ذلك الحد وإن قلّ إلا أن خروج المقربين عنه يكون في القلّة بحيث لا نحس به وخروج العصاة عنه يكون متفاحشا جدا؛ فقد ظهر من هذا احتياج كل أحد أن يستعين بتوفيق الله في تحصيل هذا الصلاح سواء كان نبيّا أو وليّا؛ فظهر بهذا احتياج إبراهيم عليه السلام إلى أن يقول:"وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ".
المطلوب الثاني في هذا الدعاء قوله:"وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ".
واعلم أن مراتب السعادات ثلاثة: النفسانية والبدنية والخارجية فالنفسانية قسمان كمال القوة النظرية وهي المراد بقوله:"هَبْ لِي حُكْمًا"و كمال القوة العملية وهو المراد بقوله:"وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ".
وأما البدنية فقسمان: الصحة والجمال.
وأما الخارجية فقسمان: المال والجاه، والمال أشد جسمانية لأنّه ملك الأعيان، والجاه أشدّ روحانية لأنه ملك الأرواح.
وأن إبراهيم عليه السلام طلب السعادات النفسانية ولم يلتفت إلى السعادات البدنية بقسميها لعلمه أنها غير باقية، وأما السعادات الخارجية فطلب قسما واحدا منها وهو الجاه والثناء الحسن وهو المراد بقوله:"وَاجْعَلْ لِي لِسان"
(1) الأذهان في الأصل: الإمكان.