الحجة السادسة: قوله تعالى: إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ [1] يحتمل أن يكون المراد منه: فتح أبواب السماء وأمطار التوفيق والهداية والإرشاد، ويحتمل أن يكون المراد منه إنزال الغيث والمطر على ما هو ظاهر اللفظ ويدل النقل [2] عليهما جميعا:
أما الأول: روي أن الحسن جاءه رجل وشكى إليه الجرب فقال:
استغفر، وشكى آخر من العقر إليه وآخر من وسع أرضه فأمر الكل بالاستغفار فقال بعض القوم: أتاك رجال يشكون إليك أنواعا فأمرت الكلّ بالاستغفار فتلى هذه الآية.
وأمّا الثاني فروي عن بكر بن عبد الله: أن أكثر الناس ذنوبا أقلّهم استغفارا وأكثرهم استغفارا أقلهم ذنوبا.
وتحقيقه أن الاستغفار إذا قوى على الدفع بعد الثبوت فلأن يقوى على الدفع والمنع كان أولى.
فإن قيل: لم قال:"إِنَّهُ كانَ غَفّارًا"ولم يقل: إنه الآن غفار [3] قلنا المراد إنه كان غفارا لكلّ من استغفره كأنه قال: لا تظنوا أن غفاريته إنما حدثت الآن بل هو أبدا و [4] هكذا كان، وكما أن حرفتكم هي الذنب والمعصية فكذلك حرفته هي الغفارية.
قوله تعالى:"يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا"، اعلم أن الخلق مجبولون على محبة الخيرات العاجلة ولذلك قال تعالى: وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْح
(1) نوح: (11) ، هود (52) .
(2) ويدل النقل زيادة يقتضيها السياق.
(3) غفار في الأصل مصمما بالهامش: غفارا.
(4) وزيادة يقتضيها السياق.