"لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا"أي لا ترجون لله ثباتا وبقاءا وإنكم لو رجوتم ثباته وبقاءه لحقتموه ولما أقدمتم على الاستخفاف برسله وأوامره، والمراد من قوله:"تَرْجُونَ"أي تعتقدون لأن التراجي للشيء يعتقد له ثم أنه تعالى لما أمر في هذه الآية بتعظيم الله استدل على التوحيد بوجوه من الدلائل:
الحجة الأولى: حجة مأخوذة من الأنفس وهي قوله: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْارًا [1] . وفيه وجهان:
الأول: قال الليث [2] : الطور التارة حالا بعد حال فإنه كان ترابا أولا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة.
والثاني: قال ابن الأنباري [3] : الطور الحال والمعنى خلقكم أصنافا مختلفين لا يشبه بعضهم بعضا كما قال: وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْانِكُمْ [4] .
واعلم أنه خلق البشر بحيث لا يشبه بعضهم بعضا في الصورة، والحكمة فيه: أنه لو حصلت المشابهة لحصل الاختلاف فما كان يتميز زوج هذه المرأة عمن لم يكن زوجا لها ولا عبد هذا الإنسان عن عبد غيره وحينئذ لم يتميز الحلال عن الحرام والمستحق عن غير المستحق، وذلك يفضي إلى زوال المصالح وحصول المفاسد فلهذا السبب اقتضت الحكمة الإلهية تخصيص كلّ شيء بصورة مخصوصة
(1) نوح: (14) .
(2) هو الليث بن سعد إمام أهل مصر في عصره، حديثا وفقها، كان كبير الديار المصرية، ورئيسها: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به - أخباره كثيرة وله تصانيف، توفي عام (175) ه. راجع: وفيات الأعيان (438) : (1) .
(3) ابن الأنباري: هو عبد الرحمن بن محمد أبو بكر الأنباري، من علماء اللغة والأدب، له العديد من الكتب منها: الإغراب في جدل الأعراف وأسرار العربية، والبيان في غريب القرآن. وغير ذلك. راجع: بغية الوعاة (301) .
(4) الروم: (22) .