ثم إنه من أعظم الدلائل على القادر المختار لأن الأب والأم واحد وتأثير الطبائع والنجوم والأفلاك واحد ثم مع هذا التشابه والتساوي يكون كل واحد منهم مختصا بصورة مخصوصة معينة، فهذا لا يكون إلا بتأثير القادر المختار.
وروي أن أحدا استعظم أمر الشطرنج عند عمر رضي اللَّه عنه وقال: إنها مختصرة ويقع فيه أنواع غير متناهية من اللعب فقال عمر: رقعة الوجه أصغر من رقعة الشطرنج ولكل عضو من أعضاء الوجه موضع معين منه لا يتغير منه فإن العين لها موضع واحد وكذلك الأنف والفم ثم مع هذا يقع فيه من الاختلافات ما لا نهاية له فإنك لا ترى الشيئين في المشرق والمغرب يتماثل صورتاهما من جميع الوجوه، وهذا يدلّ على كمال قدرة الله وعلمه وحكمته.
الحجة الثانية على التوحيد: حجة مأخوذة من الآفاق وهي قوله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماتٍ طِباقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا [1] .
واعلم أنه تعالى تارة يبدأ بدلائل الأنفس وبعدها بدلائل الآفاق كما في هذه الآية؛ وذلك لما ذكرنا أن نفس الإنسان أقرب الأشياء إليه فلا جرم بدأ بالأقرب لأن الأقرب أعرف، وتارة يبدأ بدلائل الآفاق ثم بدلائل الأنفس إما لأن دلائل الآفاق أشهر وأعظم أو لأنها أشرف وأعظم.
واعلم أن لهذا في الحقيقة دلائل ثلاثة:
أولها: السماوات الطباق وقد تقدم في الباب المتقدم كيفية دلالتها على الصانع المختار.
وثانيها: كون القمر نورا.
(1) نوح: (15) ، (16) .