والجواب: أنا بيّنا بالدلالة القاطعة أن مثل هذا الإنسان إذا كان عاقلا فإنه لا يجوز أن يدعي كونه خالقا للسماوات والأرضين فلا بد من تأويل لفظ الرب ولفظ الإله فتقول: الرجل لعله كان دهريا يظهر القول بإنكار الصانع، وكان يقول: الأفلاك والكواكب واجبة الوجود لذواتها وهي المؤثرة في حوادث العالم وإذا كان كذلك فلا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا رسول ولا تكليف.
ثم يجب على ملك البلدان أن يقوم بمصالح الرعية ويجب على الرعية أن تنقاد، ولأمر ذلك الملك فإذا كان الملك هو الذي يقوم بمصالحهم ويهتم بتدبيرهم ويعتني بشأنهم كان ربا ومربيا لهم وإذا كان هو مربيا لهم ومنعما عليهم وجب عليهم أن يكونوا منقادين لأوامره وتكاليفه معترفين بعبوديته وعبادته، وإذا كانوا كذلك كان هو معبودا، والإله هو المعبود وكان مراده من ادعاء الربوبية والألوهية هذا المعنى.
ويحتمل أيضا أن يقال: إنه كان من الصابئة [1] ، وهم الذين يقولون: البشر عبيد الكواكب والكواكب عبيد الإله الأكبر للعالم فيجب على البشر عبادة الكواكب، والقائلون بهذا القول يسمون بالمفوضة وأصحاب الوسائط، وهذا القول أقرب.
والدليل عليه قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [2]
(1) الصابئة: قال السدي: هم فرقة من أهل الكتاب، وقال إسحاق بن راهوية: وقال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم، ومناكحة نسائهم، وقال الخليل: هم قوم دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام، وقال الحسن وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة ويقرأون الزبور ويصلون الخمس. راجع: تفسير القرطبي (434) : (1) .
(2) الأعراف: (127) .