فأثبتوا له آلهة وهي إما الكواكب وإما الأصنام وعلى هذا التقدير فقوله:"أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى"معناه: أنتم عبيدي وتحت أمري وأنا عبد الشمس والقمر وهما عبد الإله الأكبر وقوله:"ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي"أن إلهكم وإلهي هو الشمس والقمر وإله الشمس والقمر هو الإله الأكبر؛ فيرجع حاصل الكلام إلى أن فرعون كان إما من الدّهرية وإما من الصابئة، أمّا أن يقال: أنه كان يدعي كونه خالقا للسماوات والأرضين فهذا لا يليق بأحد من العقلاء لأنّه لا يصدّق على ذلك ولا يسلّم له.
المقدمة الثانية: أنه تعالى حكى في سورة القصص [1] أنه قال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ، وقال في سورة غافر [2] :
يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا.
واعلم أن كثيرا من أهل الأثر روى أنه - لعنه الله - لمّا أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوا وبنوا ذلك الصّرح حتى بلغ مبلغا لم تبلغه منارة [3] أحد من الخلق فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس وضرب بجناحيه فقطعه ثلاث قطع، قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل وقطعة وقعت في البحر وقطعة بقيت منهدمة ولم يبق أحد من عماله إلا وقد هلك
(1) الآية: (38) .
(2) الآية: (36) - (37) .
(3) منارة الكلمة غير واضحة في الأصل، وتشبه كلمة: بنيان أيضا.