تعالى منزه عنه وعن أمثاله ويصير أمثال هذه الترهات مشرعا قويا لمن أراد الطعن في القرآن بل الصواب عندنا في تفسير هذه الآية أنّ هذا الكلام من تتمة قوله:"ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي"؛و ذلك لأن الرّجل كان دهريا فقال لموسى عليه السلام: هذا الإله الذي تدعي وجوده غير مشاهد ولا محسوس، ولا دليل أيضا على وجوده؛ فإنّه يكفي لحدوث الحوادث الأرضية حركات الأجرام الفلكية، وإذا كان غير معلوم بالضرورة ولا بالدليل فكيف يمكن إثباته؟ فهذا هو مراده من قوله:"ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي"ثم قال عنه هذا الكلام على سبيل السخرية:"يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى"ومثل هذا الكلام لا يقال على سبيل التحقيق بل على سبيل الاستبعاد وبيان أنه لا سبيل له، نظير قوله تعالى لنبينا محمد صلّى اللَّه عليه وسلم: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ... الآية [1] .
وليس المقصود بيان أنه يجب عليه أن يفعل ذلك حتى يأتيهم بآية بل الغرض بيان أنه لا سبيل إلى ذلك فكذا في هذه الآية فهذا ما عندي في تفسيرها والله أعلم بمراده.
المقدمة الثانية: أن فرعون وإن كان من المنكرين لوجود الصانع باللسان ولكن من الناس من قال: إنه كان عارفا بقلبه بربّه، إلا إنه كان يظهر الإنكار تكبرا وتجبّرا وعنادا، واحتجوا عليه بوجوه:
الحجة الأولى: قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هاؤُلاءِ إِلّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [2] فمن
(1) الأنعام: (35) .
(2) الإسراء: (102) .