والعراق والأعصاب ونفخ الروح فيه وإبداع الحواس الخمس والذهن والتمييز فيه؟ فاذا عجز عقلك عن معرفة البعوضة فأين أنت من معرفة حكمة الخالق والخلق والهداية في آخر السماوات والأرض وقد قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ [1] ؟
ثم إذا عرفت ضعف عقلك في عالم الأجسام فانتقل منه إلى عالم الأرواح، واعلم أن عالم الأجسام في عالم الأرواح كالقطرة في اليّم وكيف يمكنك تفاصيل عالم الأرواح حيث أنك عاجز عن معرفة روحك؟ حيث قال: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا [2] .
فعند هذا تشاهد عجزك وقصورك عن معرفة أقل الأشياء وعن الإحاطة بأقلّ شاهد من شواهد جلال الله ودلائل قدسه وعزته، وهذا آخر مقام الصديقين كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [3] .
وإن أردت أمثلة هذا المعنى فتأمل الأبواب المتقدمة المشتملة على عجائب خلقة الإنسان والحيوان والنبات والشمس والقمر والسماوات والأرض وفي الأبواب الآتية المشتملة على عجائب خلقه.
البحث الثاني: وهو السؤال عما ذكره الله تعالى في سورة الشعراء ففيه أسرار عجيبة.
واعلم أن هذا البحث لا يمكن إلا بتقديم مقدمة عقلية وهي أنه إذا كانت حقيقة من الحقائق مجهولة فتعريفها إما أن يكون بنفسها أو بما يكون داخلا فيه
(1) غافر: (57) .
(2) الإسراء: (85) .
(3) لقمان: (27) .