البحث الثاني في الشروق والغروب وهو أن حال ما يأخذ ذلك الكوكب في الغروب نرى كوكبا آخر في مقابلته وترى كوكبا آخر فيطلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكبا آخر قد وصل إلى وسط السماء وكوكبا آخر قد وقع في الربع الغربي وقرب من الغروب فاذا اعتبرت هذه الأحوال نراها متشابهة لأحوال الخلق في هذا العالم فإنسان يموت وإنسان يولد وثالث في تلك الساعة يكون طفلا ورابع شاب وخامس كهل وسادس شيخ وكما أن كواكب السماء مختلفة الأحوال فبعضها سعد وبعضها نحس وبعضها قويّ النور وبعضها أضعف وبعضها قريب من وسط الفلك وبعضها واقع في أطراف الفلك وبعضها في الشرق وبعضها في الوبال والهبوط والخلو عن الحظوظ فكذلك نرى أشخاص هذا العالم بعضهم في السعادة وبعضهم في النحوسة وبعضهم في الغنى وبعضهم في الفقر وكذا القول في الدولة والعلو والذل والسقوط وكما أن مدبّر العالم العلوي دبّر نظام تلك الكواكب مع اختلافها في الطلوع والغروب والنورانية والضعف من غير أن يختلّ شيء من أحوالها فكذلك تدبّر أحوال أشخاص العالم السفلي مع اختلافهم في السعادة والشقاوة والغنى والفقر وعند هذا تلوح لك شمة من أسرار قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [1] وقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [2] .
وتمام الكلام في هذه المباحث العميقة ما إليه الإشارة في سورة الأعراف: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّه
(1) الرحمن: (29) في الأصل يوجد بعده وقوله"لا يشغله شأن عن شأن".
(2) السجدة: (5) .