لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [1] فقوله [2] تعالى:"وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ"إشارة إلى ما ذكرنا من كيفية التسخير والتدبير وقوله:
"أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ"فيه سرّ عجيب وحكمة بالغة [3] وهي أنك إذا شاهدت في أجزاء السماوات والكواكب والأرض آثار التسخير والتدبير يقع في قلبك أن تعرف وجه الحكمة في كل واحد منها على سبيل التفصيل فحينئذ يقال لك: قف في درجتك ولا تتعدّ طورك ولا تلق عقلك في بحر لا ساحل له ولا تتكلّف [4] صعود جبل لا نهاية له ولا تطمع في الوصول إلى ما هو فوق فهمك ووهمك وعقلك وروحك فإنك لست من رجال هذه الأنوار ولكن اعترف لنفسك بالعجز والذلة والقصور واعترف لخالق [5] هذه الموجودات على سبيل الإجمال بغاية الجلال ونهاية الكبرياء وقل: ألا له الخلق والأمر والحكمة والعز [6] والعلو والسلطان والكبرياء تبارك الله رب العالمين ومدبر الأجساد والأرواح والعلويات والسفليات أجمع، ثم إذا تركت الخوض في ذلك التفصيل واعترفت بهذا التعظيم على سبيل الإجمال فعند هذه الحالة [7] ارجع إلى نفسك واعتبر حال عجزك وقصورك واشتغل بالدعاء والتضرع فها هنا غاية درجات الصديقين ونهاية خطرات أفكار العارفين وليس وراءه للعقول مسرى ولا مطار ولا للإطار مجال ولا مخطى وإليه الإشارة بقوله تعالى في آخر هذه الآية:"ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً"فما أجمل هذه التلميحات التي اشتمل عليها القرآن العظيم وما أشرف هذه
(1) الأعراف: (54) - (55) .
(2) في (أ) قوله.
(3) في (أ) عالية.
(4) في (ب) ولا تكلف نفسك.
(5) في (ب) بخالق هذه الأنوار.
(6) في (ب) القوة.
(7) في (أ) الحال.