فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 866

وإليه الإشارة بقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [1] .

وهاهنا إشكال وهو أنه تعالى قال في الذاكرين:"يَذْكُرُونَ اللَّهَ"فجعل الذكر المعتبر اللائق بهذا المقام ذكر الله لا ذكر غيره ثم جعل نهاية هذا الذكر الفكر ويجب أن يكون هذا الفكر هو الفكر في الله لكنه لم يقل ذلك بل جعل الفكر اللائق بهذا المقام الفكر في خلق السماوات والأرض وهذا اشتغال بغير الله فكيف يعقل أن يجعل ذكر الله أولا ومبدأ والفكر في غير الله غاية وكمالا؟ والجواب أنا قد بيّنا في مناظرة موسى عليه السلام مع فرعون أن الفكر في الله ممتنع وإنه لا يمكن التوصل إلى جلال الله تعالى وعظمته إلا بالنظر في مخلوقاته ومبدعاته وهذا متأيّد بقوله عليه السلام:"تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" [2] ولما كان أشرف مخلوقاته المحسوسة هو عجائب السماوات والأرض كما قال تعالى:"لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ"لا جرم جعل الغاية القصوى لسير أفكار المقربين والنهاية العظمى لغاية أنظارهم أن يتفكروا في عجائب خلق السماوات والأرض ثم أنا قد بيّنا فيما قبل أن الخاطر إذا وقع في هذا الموضوع كان الأولى ردعه عنها ومنعه عن الخوض فيها والاقتصار على الثناء المبهم والتعظيم المجمل كما في قوله في سورة الأعراف:

"وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ"ثم قال بعده:"أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ"وهذا هو الثناء ثم قال بعده:"ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً"وهذا هو الدعاء وقال في آل عمران:"وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"

(1) آل عمران: (191) .

(2) الحديث رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ورواه ابن شيبة في كتاب العرس له عن ابن عباس أن رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلّم خرج على أصحابه فقال ما جمعكم .. ؟ فقالوا اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته فقال: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت