ثم قال بعده:"رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ"وهذا هو الثناء ثم قال:"فَقِنا عَذابَ النّارِ"وهو الدعاء فهذه الدّرة التي وجدناها في قعر بحر القرآن هي أشرف المطالب وأعظم الرغائب وما ذاك إلا بتوفيقه وهدايته وما هو إلا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر يا رب السماوات والأرض وآله العالمين زدنا من فضلك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
أما قوله تعالى:"وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ"فقال أهل اللغة:
عسعس من الأضداد يقال: عسعس الليل إذا أدبر وعسعس إذا أقبل ثم منهم من قال: المراد هاهنا أقبل الليل لأن على هذا التقدير يكون القسم واقعا بإقبال الليل وهو قوله تعالى"وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ"وبإدباره"وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ"ومنهم من يقول المراد بقوله عسعس:"أدبر ثم قوله تعالى"وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ"إشارة إلى تكامل ضوء الصبح ونظيره قوله تعالى:"والليل إذا أدبر وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ"."
أما قوله:"وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ"أي إذا أسفر وهو كقوله:"وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ"و في كيفية التشبيه قولان:
أحدهما: أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على"سبيل" [1] المجاز.
الثاني: أنه شبّه الليل المظلم بالمحزون المكروب الذي جلس بحيث لا يتحرك واجتمع الحزن في قلبه فاذا تنفّس وجد راحة فها هنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبّر لذلك عنه بالتنفس.
واعلم أن في طلوع الشمس وغروبها أحوالا عجيبة:
الأولى: أن طلوع الشمس شبيه بتكون العالم وتخليقه في أول وقت"كن"
(1) زيادة من (ب) .