وغروبها شبيه بتخريب العالم عند قيام القيامة وتقدير هذا التشبيه: أن الظلمة صفة عدميّة فهي شديدة المناسبة للعدم الأصلي المستمر من الأزل إلى وقت حدوث العالم فكما أن في الليل تكون الظلمة مستقرة في جميع أقطار السماوات وأكناف الأرض فكذلك كانت ظلمة العدم مستقرة مستمرة من الأزل إلى الأبد فما كان هناك لوح ولا قلم ولا ظلمة ولا أنوار ولا سماء ولا أرض ولا طول ولا عرض ولا ذلات ولا صفات بل كان الله ولم يكن معه شئ، وكما أن في آخر الليل ينفلق بحر الظلمات بنهر من النور ويكون ذلك النور محفوظا بالظلمات التي لا حدّ لها فكذلك ظهر في آخر الأزل نهر من نور إيجاد الله وتكوينه وهذه المخلوقات متناهية والممكنات الباقية على العدم غير متناهية والمتناهي بالنسبة إلى غير المتناهي قليل من كثير فهذه [1] الحالة شبيهة بنور الصبح في بحار ظلمات الليل.
إذا عرفت هذا ظهر أن طلوع النور مسبوق بتراكم ظلمات العدم وظهر أيضا أن الأنوار الساطعة على الممكنات من الوجود أقل من الممكنات الباقية في ظلمات العدم لا جرم قدم الله تعالى ذكر الظلمات على النور وعبّر عن الظلمات بلفظ الجمع وعن النور بلفظ الفرد فقال: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [2] فتأمّل في هذه الأسرار فهذا حال تشبيه طلوع الصبح بطلوع صبح الإيجاد والتكوين من مشرق إحسان الله تعالى وفضله وعنايته.
الحالة الثانية: أن غروب الشمس في آخر النهار شديد الشبه بإماتة جميع الإحياء وقت قيام القيامة وبقاء الخالق ونفاد الخلق الخامدين ليس بهم حس
(1) في (أ) هذه.
(2) الأنعام: (1) .