ولا حركة والليل يشبه بقاء الخلق فيما بين النفختين على العدم المحض ثم انتباه الخلق في وقت الصبح يشبه قيام الخلق عند البعث والنشور.
وتقرير هذا الكلام: هو أن النفخ في الصور يحصل ثلاث مرّات: نفخة الفزع قال تعالى في سورة النمل وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [1] ، والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة الإحياء قال تعالى في سورة الزمر وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [2] فهذه الأحوال الثلاثة بعينها موجودة في الشمس وذلك لأن غروبها في الغرب يشبه نفخة الفزع فإن الشمس إذا غربت في مغربها واستولى الفزع والخوف على الحيوانات وتوجه كل منها إلى مأواه [3] ومسكنه ثم إذا غرب الشفق بالكلية فذلك يشبه نفخة الصعق وهناك يسكن كل حيوان وينام ويصير الكل خامدا جامدا كأنه صار ميتا أو معدوما إلا من شاء الله من الحيوانات التي لا تنام وهذا الاستثناء المذكور في الآية حاصل هاهنا أيضا وأما طلوع الصبح فهو يشبه نفخة البعث والإحياء وذلك لأن الشمس إذا قربت من مشرقها فكأنها ينفخ [4] روح النور في أموات عالم الظلمات وهكذا أيضا حال النفخة الثالثة لإسرافيل عليه السلام فإنه يصل من قوة تلك النفخة أثر الحياة إلى جميع الأموات.
واعلم أن مشاهدة هذه الأحوال الثلاثة في يوم البعث وزمن القيامة وذلك لأن الأرواح أعظم وأقوى من الأجسام فإذا لم يبعد أن يكون في عالم الأجسام
(1) النمل: (87) .
(2) الزمر: (68) .
(3) في (أ) ما وراء.
(4) في الأصل ينفخ فيها.