فهرس الكتاب
الحرف اللائق بالربيع فحينئذ يقع الانتقال منه إلى الحر الشديد الذي هو في الصيف فلا تصير طبائع الأمزجة والأبدان مقهورة فأول الربيع ضعيف الحر فإنه مجاور للشتاء وآخر الربيع قوي الحر لأنه مجاور للصيف وبهذا التدبير يحصل الانتقال من ضد إلى ضد فلا تحصل الأمراض والآلام بسبب ذلك فلهذا المعنى اقتضت الحكمة الإلهية أن يقسم كل ربع من أرباع الفلك بثلاثة أقسام أحدها أن يكون مبدءا لذلك الفصل والثاني يكون وسطا له والثالث يكون كمالا له فصار لأجل هذا الترتيب الفلك مقسوما بأثني عشر برجا ثم أنه تعالى سير الشمس في هذه البروج كما شاء، فقال: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا فلا جرم صير السنة اثنى عشر شهرا، كما قال تعالى: عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [1] .
الوجه الثاني من عجائب البروج: اعلم أن اللَّه تعالى خلق العالم ثلاثة:
العالم الأصغر وهو بدن الإنسان والعالم الأوسط وهو العالم السفلي، بما فيه من العناصر الأربعة والعالم العلوي وهو عالم السماوات والكواكب.
أما العالم الأوسط فخلق فيها أجراما أربعة .. الأرض والماء والهواء والنار وأثقل الأجسام هو الأرض فلا جرم جعل الأرض تحت جميع الطبائع الأربعة والماء أقل ثقلا منه لجعل الماء محيطا بالأرض ثم الهواء خفيف فجعل الهواء محيطا بالماء ثم النار أخف الأجسام العنصرية فجعل النار محيطة بجميع العناصر الأربعة فهذا الترتيب المحكم والوصف المتقن ثم أنه سبحانه وتعالى قلب هذا الترتيب في تخليق العالم الأصغر وجعل الأرض فوق الكل والنار من تحت الكل. والدليل عليه: أن يافوخ الإنسان فوق جميع أعضاءه وهو عظم والعظم بارد يابس وطبعه طبع الأرض فجعل الأرض فوق جميع الأجزاء والأعضاء ثم جعل الهواء تحت الأرض فإن النفس هواء ومنفذ النفس هو الأنف وهو تحت اليافوخ ثم جعل الماء تحت الهواء لأن معدن الماء هو الفم والفم تحت الأنف ثم جعل النار تحت
(1) التوبة: (36) .