فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 866

أنه يجب كونهم معترفين منتبهين لهذه النعمة واستدلالهم بها على وجود الصانع الحكيم سبحانه وتعالى والكلام الملخص يرجع إلى وجهين:

الأول: أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأبنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة يكرهها الطبع وينفر عنها المزاج وأما الضوء الخالص وهو الكيفية العارضة من الشمس فهو لقوتها تبهر حسن النظر وتبعد السخونة القوية وهي مؤذية فإذا أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة، فقال تعالى: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) .

إذا ثبت هذا فنقول أنه تعالى بيّن أن هذا الظل من النعم العظيمة والمنافع الجليلة ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئا سوى الجسم وسوى اللون ولا يعرف أن الظل أمر ثالث به يكمل الانتفاع بمحسوسات هذا العالم فإذا طلعت الشمس ووقع ضوئها على أجسام هذا العالم زال ذلك الظل فلولا وقوع ضوء الشمس على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا وحقيقة لأن الأشياء إنما يعرف بأضدادها ولولا الظلمة لما عرف النور فكأنه سبحانه وتعالى لما أطلع الشمس على الأرض زال الظل فحينئذ ظهر للعقول أن للظل كيفية زائدة على الجسم واللون. فلهذا قال سبحانه وتعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) أي جعلنا الظلال بما فيها من المنافع والخيرات [1] ثم هدينا العقول إلى معرفة وجودها بأن اطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلا على وجود كيفية الظل الذي هو منشأ المنافع الكثيرة ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة واحدة بل يسيرا يسيرا فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب ولما كانت

(1) في (أ) أي خلقنا الإظلال ما فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت