الحركات الكائنة لا توجد دفعة بل يسيرا يسيرا فكذا زوال الإظلال لا يكون دفعة واحدة بل يسيرا يسيرا وأيضا قبض الإظلال لو حصل دفعة لاختلت
المصالح لكن قبضها يسيرا يسيرا يفيد رعاية مصالح العالم والمراد بالقبض الإزالة والإعدام وهذا أحد التأويلين.
التأويل الثاني: أنه سبحانه وتعالى لما خلق السماء والأرض ما خلق الشمس ولا القمر والكواكب فوقع ظل السماء على الأرض فحصلت ظلمة شديدة متكاثفة في الأرض ثم أنه خلق الشمس دليلا عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الإظلال فإنهما متعاقبان ومتلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر كما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل يلازمه فكذلك الإظلال كأنها مقتدية وملازمة للأضواء فهذا هو المراد من جعل الشمس دليلا عليها.
وأما قوله تعالى: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا [1] فإما أن يكون المراد منه انتهاء الإظلال يسيرا يسيرا إلى غاية نقصانها فسمى إزالة الإظلال قبضا لها أو يكون المراد من قبضتها يسيرا يسيرا قبضها عند قيام الساعة وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الإظلال، وقوله: (يسيرا) كقوله تعالى: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [2] ، فهذا هو التأويل المخلص [3] .
إذا عرفت هذا فنقول الاستدلال به على وجود الصانع المحسن الرحيم ظاهر وذلك لأن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء وأما حصول الضوء الخالص والظلمة الخالصة فهو موجب المضار لا للمنافع وذلك لأن التركيب الإنساني تركيب ضعيف والحواس الإنسانية لا يطيق إدراك الكيفيات القوية
(1) الفرقان: (46) .
(2) ق: (44) .
(3) في (أ) الملخص.