واعتبر أن النظر إلى الضوء القوي يعمي البصر وسماع الأصوات القوية يورث الصمم وملامسة الحر القوي أو البرد القوي يورث الموت بل لا بد من الاعتدال في المدركات والمحسوسات والظل كيفية معتدلة متولدة من امتزاج النور والظلمة فثبت أن كيفية الظل من المنافع العظيمة.
إذا ثبت هذا فنقول: هذه الكيفية إما أن تكون من الواجبات أو من الجائزات والأول باطل وإلا لما تطرقت التغييرات إليه فهو إذن من الجائزات فلا بد لوجوده بعد العدم ولعدمه بعد الوجود من صانع قادر رحيم محسن يقدر هذه الإظلال في قوتها وضعفها [1] بالمقدار النافع ويقدر بقائها وانتقالاتها بالمقادير النافعة وما ذلك إلا أنه سبحانه وتعالى خصص الشمس والقمر والنجوم كل واحد منها بمقدار خاص من الضوء وبمقدار خاص من قوة الإضاءة ومقدار خاص من الحركة في الجهة والبطء والسرعة وما ذاك إلا من المحسن الرحيم الحليم. فهذا هو الكلام في الاستدلال بوجود هذه الإظلال على الصانع الحكيم.
واعلم أن للإظلال أنواعا من الخواص العجيبة:
الخاصية الأولى: إن الإظلال في أنفسها متحركة إلا أن الحس لا يشاهد حركتها البتة وأما أن العقل قاطع بكونها متحركة وذلك لأن الحس شاهد بانتقال الظل من مكان إلى آخر ولولا حركتها إلى مكان آخر لما حصل هذا الانتقال وأما أن الحواس لا يشاهد حركاتها فالأمر ظاهر فيه.
(1) في (أ) من فوقها وجعلها اه.