الحجة الثانية: أن هؤلاء الجن كيف يعقل أن يشاهدوا واحدا وألفا من
جنسهم كلما استرقوا السمع احترقوا ثم إنهم يعودون مع ذلك إلى مثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأي الهلاك في شيء مرة واحدة أو ألف مرة امتنع أن يعود إليه من غير فائدة؟
الحجة الثالثة: انه روى في الأخبار أن ثخن كل واحد من السماوات مسيرة خمسمائة عام فهؤلاء الجن أن قدروا على خرق هذه السماوات مع عظمها فهذا باطل لأنه تعالى نفي أن يكون فيها فطور قال تعالى: (هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟) وقال: (ما لَها مِنْ فُرُوجٍ) ، ووصفها بالشدة (سَبْعًا شِدادًا) وأن لم يقدروا على خرق اتصال السماوات فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة مع هذا البعد العظيم؟ ثم إن عقل إنهم سمعوا أسرار الملائكة من هذا البعد العظيم فلم لا يسمعون تلك الأسرار من الأرض أيضا؟ وحينئذ لا تبقى فائدة في تبعيدهم عن السماء.
الحجة الرابع: أن الملائكة عليهم السلام إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلية إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقوها من وحي اللَّه عز وجل إليهم وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الشياطين من الوقوف عليها لا سيما وقد وصفهم اللَّه تعالى بقوله: (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) فإذا لم يأذن اللَّه لهم في ذلك لا يذكرونه، وإذا لم يذكروه عجز الشياطين عن الوقوف عليه.
الحجة الخامسة: أن القرآن دل على أن الشياطين مخلوقون من النار، قال تعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ) والنار لا يحرق النار بل يقويها فكيف يعقل أن يقال: أن الشياطين دحروا عن استراق السمع بهذه الشهب؟
الحجة السادسة: أنا قلنا أن هذا القذف كان لصون المعجزات عن شبهات الكهنة فلم دام ذلك بعد وفاة النبي صلّى اللَّه عليه وسلم؟