قال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [1] وحصل جسده بالتسوية وروحه بالنفخ فقال: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [2] وكان جسده من فطرة هذا العالم وروحه من فطرة العالم الأعلى فقال في فطرة جسده: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [3] إلى تمام المراتب الستة ثم قال في فطرة روحه في المرتبة السابعة: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ [4] وذكر أن جسده من هذا العالم فقال: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [5] وأن روحه متوجه إلى ذلك العالم وهو قوله: (يوحى إلي) وبين أن طاعة الجسد هو الاشتغال بالعبادات وأن طاعة الروح هو التوكل على رب الأرضين والسماوات فقال في آخر سورة هود: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [6] واعلم أن دلائل كمال القدرة وجلال الحكمة في تخليق هذا النوع أتم وأكمل وبيانه من وجوه:
الحجة الأولى: أن الروح علوي والبدن سفلي والعلو والسفل ضدان والروح نوراني والبدن ظلماني والنور والظلمة ضدان والروح لطيف والبدن كثيف واللطافة والكثافة ضدان والروح سمائي والبدن أرضي والسماء والأرض ضدان والروح رحماني بدليل أنه لا يرغب إلا في معرفة اللَّه ولا يفرح إلا بخدمة اللَّه ولا يميل إلا إلى محبة اللَّه ولا يبتهج إلا بمطالعة أنوار جلال اللَّه ولا يطمئن إلا بذكر اللَّه ولا يستقر إلا على عتبة قدس كبرياء اللَّه، وأما البدن فإنه شيطاني شهواني لأنه لا يغتذي إلا بدردي العالم الجسماني ولا يفرح ولا يقوى
(1) الأعراف: (54) .
(2) الحجر: (29) .
(3) المؤمنون: (12) .
(4) المؤمنون: (14) .
(5) الكهف: (110) .
(6) هود: (123) .