فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 866

إلا بالانغماس في الشهوانيات والظلمانيات وإذا كان الأمر على هذه الجملة حصل بين الروح والجسد منافاة عظيمة ومباينة تامة فالجمع بينهما يدل على قدرة كاملة وحكمة عالية ألا له الخلق والأمر تبارك اللَّه رب العالمين.

الحجة الثانية: أن الشوق إلى اللَّه تعالى مقام شريف وفيه لذة عجيبة وهذا المقام غير حاصل إلا للبشر واعلم أن هذا الكلام لا يتخلص إلا بتقديم حقيقة الشوق فنقول: أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه آخر أما الذي لم يدرك بوجه من الوجوه أصلا فلا يشتاق إليه فإن من لم ير شخصا ولم يسمع وصفه لم يتصور أن يشتاق إليه وما أدرك بكماله وتمامه لا يشتاق إليه لأن الشوق طلب وطلب الحاضر محال ثم إن الشوق إلى المحبوب يقع على وجهين:

الأول أنه إذا رآه ثم غاب عنه بقي في خياله أثر تلك الصورة المحسوسة واشتاق الروح إلى أن ينقل ذلك الأثر من عالم الخيال إلى عالم الحس.

الوجه الثاني: أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره ولا سائر محاسنه فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط.

وإذا عرفت هذا فنقول: هذان الوجهان غير متصورين في حق الملائكة أما الوجه الأول، فلأن ذلك إنما يمكن اذا أدرك ثم غاب ويمتنع في حق الملائكة أن يغيبوا عن شيء عرفوه فكل ما عرفوه فذلك العرفان حاصل لهم أبدا لا يتبدل ذلك العرفان بالغفلة ولا ذلك الحضور بالغيبة وهذا هو المراد بقوله تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [1]

(1) الأنبياء: (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت