أنوار عالم القدس وسبحات سرادقات الجلال فينتقلون تارة من الشدة إلى الرخاء والأخرى من الرخاء إلى الشدة فإذا انتقلوا من الشدة إلى الرخاء ومن الابتلاء إلى النعمات بأعظم التذاذهم فلا جرم يحصل هناك من اللذات والسعادات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وإذا كانت أسباب هذه الغيبة بعد الحضور والحضور بعد الغيبة متعاقبة على الأرواح البشرية في دار الدنيا حصلت هناك آلام ولذات متعاقبة على الأرواح البشرية في دار الدنيا واللذة إذا حصلت بحيث يكون قبلها فقدان وبعدها توقع الحرمان كان الالتذاذ بها أشد وأكمل فهذا النوع من السعادة والبهجة الحاصلة للإنسان غير حاصلة للملائكة المقربين ولا لسائر الحيوانات فيمكن أن يكون المراد من قوله: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) هذه الحالة وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا [1] فقوله: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ) أي تجلى أنوار عالم القدس في روح الإنسان وقوله: (إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا) إشارة إلى طوفان ظلمات النفس الجسمانية والموانع الشهوانية النفسانية.
الحجة الثالثة: أن بتخليق الملائكة ظهرت القدرة والحكمة وذلك لأن كمال قوتهم يدل على كمال قدرة خالقهم وكمال عصمتهم يدل على كمال قدس خالقهم أما بتخليق البشر ظهر كمال الجود وكمال الراحة أما كمال الجود فلأنه لا مناسبة بين التراب وبين جلال رب الأرباب ثم إنه برحمته وكرمه جعله مركز المحبة ومعدن المعرفة كما قال (يحبوهم ويحبونه) وأما كمال الرحمة فلأنه مع كثرة معاصيه أظهر فيه أنواعا من العجائب فأودع في قلبه نور عرفان جلاله وأجرى على لسانه ذكر توحيده وجعل عينيه محلا لأبصار دلائله وإذنه محلا
(1) الأحزاب: (72) .