مع أنه يجوز منه أن يختار المعصية بدلا عن الطاعة فإما أن يقال: حصل هذا الرجحان من غير المرجح وهو إما [1] أن يفضي إلى نفي الصانع أو يوقف على مرجح وذلك المرجح إن كان من العبد عاد الطلب الأول ويفضي إلى التسلسل وإن كان من اللَّه فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة من اللَّه تعالى في حقه نعمة وإذا كان صدور الطاعة من العبد عين نعمة اللَّه على العبد فكيف يستحق العبد بنعمة اللَّه عليه في الدنيا بنعمة أخرى منه في العقبى فهذا برهان أوضح من ضوء الشمس على أن (كل ما) [2] يحصل فإنه إنما يحصل بفضل اللَّه وبرحمته فلهذا قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا.
الحجة الثانية: وهو أن العبد إلى أن يصير بحيث يقدر على أن يأتي بالطاعة ويحترز عن المعصية فقد سبق من اللَّه عليه نعمة كما قال تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْاتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [3] فهو الذي خلقه بعد أن كان معدوما محضا كما قال تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [4] ثم خلقه من التراب كما قال تعالى: (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ) ثم ردده في أطوار الخلقة وأكوان الفطرة ثم نفخ فيه الروح وخلق فيه الحياة كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ) ثم أعطاه القدرة كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [5] ثم أعطاه العقل والعلم كما قال تعالى:
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) (كل ما) في الأصل (كلا) .
(3) البقرة: (28) .
(4) مريم: (9) .
(5) الروم: (54) .