وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [1] ثم أعطاه الصورة الحسنة كما قال تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [2] ثم أعطاه الأغذية والأرزاق كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ [3] ثم إنه تعالى بعد هذه النعمة العظيمة الدنيوية أنعم عليه بالنعمة العظيمة الدينية وهو بعث الرسل صلوات اللَّه عليهم وإنزال الكتب وإزالة الختم والرق والرين والقساوة من قلبه وأعطاه التوفيق والهداية والعصمة ثم أن هذا العبد بعد هذه النعم العظيمة أتى بطاعات قليلة مزجاة غير صافية كما يليق بقدرته القاصرة وعقله الناقص المختصر بحكم العقل بوقوع هذه الطاعات اليسيرة المخلطة قضاء لحق تلك النعمة العظيمة المتقدمة وإذا وقعت هذه الطاعات قضاء لتلك النعم السابقة امتنع صيرورتها موجبة لنعمة أخرى وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن دخول الجنة يكون بمحض فضله ورحمته.
الحجة الثالثة: انه يمكن أن يصير فعل العبد علة لاستحقاق الثواب على اللَّه تعالى إلا أن فرح العبد بما يعطيه اللَّه بفضله وإحسانه يجب أن يكون أعظم من فرحه بما يجده من كسبه واجتهاده. ومثاله إن وجد بكسبه دينارا ووجد من تشريف الملك العظيم خلقة نفيسة على سبيل الإعزاز فإن فرح كل عاقل بما حصل من تشريف الملك يكون أتم وأكمل من ذلك القليل الذي حصله بكسبه فإذا كان الأمر كذلك في السلطان المجازي والملك المختصر فما ظنك بتشريف سلطان السلاطين على سبيل الحقيقة في إعطاء الملك الأبدي فلهذا قال:
(بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) .
(1) النحل: (78) .
(2) غافر: (64) .
(3) الروم: (40) .