فهرس الكتاب
الأول: أن الرأس محل للعقل والفكر والذهن والأكل غذاء الشهوة والبطن ولا يليق بالحكمة أن يسجد الرأس الذي هو معدن العقل والفكر لأجل الغذاء الذي هو نصيب النفس بل جعلت اليد خادمة حتى أن اليد ترفع اللقمة إلى الفم حتى يخدم العبد سيده وفيه لطيفة وهي: أنه تعالى أغناك عن أن يخضع رأسك ويسجد لطلب الطعام فلا تختر بجهلك سجدة لمخلوق طلب للطعام.
الوجه الثاني: في شرح هذه النعمة أن البهيمة تأخذ علفها بفمها ملطخة ملوثة أما الإنسان فإنه ينظف طعامه بأصابعه ويميز جيده عن رديئه وهاهنا دقيقة وهي أنه سبحانه وتعالى علق رعاية مصالح البهائم بطبائعها حتى أنها لطبعها تميز بين مصالحها ومفاسدها فيحترز وقت تناولها العلف عما يؤذيها ويجذب ما ينفعها وهكذا تكون كل الطيور والبهائم والحشرات من أول الأمر، أما الإنسان فإنه علق رشده بعقله لا بطبعه حتى أن الإنسان قبل ظهور نور العقل فيه لا يميز بين النافع والضار أما إذا حملنا هذا التكريم على الأرواح الروحانية ففيه وجوه:
الأول: ولقد كرمنا بني آدم بالعقل والفهم.
واعلم انه سبحانه وتعالى أقر العقل في كتابه من وجوه:
الأول: بكثرة أسمائه وسيجاء بعد ونذكر هاهنا بعضها:
فالاسم الأول العقل .. قال موسى عليه السلام في مناظرته مع فرعون:
رَبُّ الْمَشْرِقِ .. إلى قوله إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [1] وأوحى اللَّه تعالى إلى داود عليه السلام: إذا رأيت عاقلا فكن له خادما وقال عليه أفضل السلام: أول ما خلق اللَّه
(1) آل عمران: (118) .