وقوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [1] أما الجن فمنهم كافر ومنهم مسلم بدليل قوله تعالى حكاية عنهم: وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا [2] فهذا هو الكلام في تفصيل أحوال هذه الأجناس الثلاثة. أما الجنس الرابع وهو الإنسان والابشر فلا شك أن منهم مؤمن ومنهم كافر وأما أصلهم فمن شخص واحد وهو أول الآباء والذي يدل على وجوب انتهاء هذه الأشخاص البشرية إلى شخص واحد هو أول الآباء وجوه:
الحجة الأولى: أنه لو وجد إنسان في الأزل فذلك الإنسان إما أن يقال:
إنه كان مسبوقا بإنسان آخر قبله أو لم يكن مسبوقا بإنسان آخر فإن كان مسبوقا فالأزلي مسبوق بغيره وهذا محال لأن الأزل عبارة عن نفي المسبوقية والجمع بين المسبوقية واللامسبوقية محال وإن لم يكن مسبوقا بإنسان آخر فذلك الإنسان هو الإنسان الأول فالآباء منتهية إلى الأب وهو المطلوب.
الحجة الثانية: أن الإنسان لا ينفك عن تغير الحالات وتبدل الصفات وتنقل الصفات لكن تغير الحالات في الأزل محال وهذا يقتضي أنه لم يوجد أحد من البشر في الأزل وإذا كان كذلك وجب القول بانتهاء الناس إلى الإنسان الأول.
الحجة الثالثة: لو لم يكن للآباء مبدأ (لتوقف) [3] حصول الواحد منا على انقضاء آباء لا نهاية لهم لكن انقضاء ما لا نهاية له محال والموقوف على
(1) الأنعام: (112) .
(2) الجن: (14) .
(3) (لتوقف) في الأصل (التوقف) .