وإن قال قائل إذا كان الصانع المختار قادرا على خلق الولد من دون الأبوين فلم لم يخلق هذا لتكون الدلالة أقوى.
فالجواب أن الحكمة فيه من وجوه:
الأول: لو خلق البشر من غير هذا الوجه لبطل التعارف بالأنساب وفي بطلانه سقوط المصالح الكثيرة بين الناس في المعاملات وقد نبّه الله تعالى عليه فقال جلّ وعز: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا [1] .
الثاني: لو لم يحصل التوالد لبطلت صلة الرحم وزال تعطف القرابات وبطل تلذذ الآباء بالأبناء وتعزز الأبناء بالآباء ومنه تزول مصالح كثيرة من العالم وقد نبه الله تعالى عليه فقال جلّ من قائل: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [2] فكان معناه - والله أعلم - جعله نسبا لما فيه من المصالح اللطيفة وكان قادرا أن يوجده ابتداء.
الثالث: أن العاقل قد أمر بالتواضع والاجتناب عن الكبرياء ثم إن العاقل إذا علم أنه خلق من نطفة قذرة وسار في مخرج البول مرة بعد مرة ونشأ في نجاسة يتغذى منها ونبت لحمه وعظمه منه كان كاسر النخوة وقد نبه الله تعالى هذا فقال: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [3] فمن علم أن من كان كذلك لم يكن له أن ينكر بل الواجب عليه أن يذل لخالقه ويخضع لربه والله أعلم. فثبت
(1) الحجرات: (13) .
(2) الفرقان: (54) .
(3) المرسلات: (20) - (24) .