الملائكة من الهواء الذي هو ألطف وأعطاهم كمال القوة والقدرة وخلق السماوات من أمواج مياه البحر وأبقاها معلقة في الهواء موصوفة بكمال الشدة كما قال في صفتها:"وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا"وقال: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [1] وقال:
سَبْعًا شِدادًا [2] وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأشياء وأشدها ظلمة وأعطاها الطاعة والمحبة والمعرفة التي هي أنور الأشياء وأضوئها والمقصود من جميع ذلك إظهار الضد ليكون ذلك برهانا باهرا وبيانا ظاهرا على أنه هو الخالق من غير احتياج إلى أحد والمقدر والمدبر فلا مزاج ولا علاج.
الحجة السادسة: أن التراب سبب الوصلة دليله قوله تعالى: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [3] والنار سبب القطيعة ولما كان الأمر كذلك لا جرم حصل لآدم عليه السلام شرف الوصلة ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وحصل لإبليس صفة القطعية"فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ".
الحجة السابعة: التراب فيه أمانة والنار فيها خيانة أما الأول فلأنك إذا بذرت فيها كفا من الحنطة ردت عليك جرابا من الحنطة قال تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ... الآية وأما إن في النار خيانة فلأنها تحرق الأشياء وتفنيها وأيضا لما كان من التراب لا جرم قبل الأمانة كما قال تعالى:
"وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ"وحفظها على أحسن الوجوه ولما كان في النار خيانة لا جرم أن إبليس عبد ربه سنين ثم خان في تلك العبادة كما أخبر الله عنه بقوله:"وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ".
الحجة الثامنة: أن التراث طاهر وطهور قال تعالى:"وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماء"
(1) ق: (6) .
(2) النبأ: (12) .
(3) البقرة: (261) .