فهرس الكتاب
فلما منّ علينا بجعل اللبن الذي هو الغذاء طاهرا فبأن يمنّ علينا بطهارة المني الذي هو الأصل أولى واعلم أنّا وإن حكمنا بطهارته إلا أن العلماء لما اختلفوا في طهارته ونجاسته كان دليلا على غاية حقارته ونهاية مهانته.
الثاني: أن مهانته لأجل كونه مستقذرا.
الثالث: مهانته لأجل مروره على ممر النجاسة.
الصفة الخامسة: أنه تعالى أخبر عن الرحم الذي هو موضعه (قَرارٍ مَكِينٍ) وهو قوله تعالى:"ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ"وفيه فوائد:
الفائدة الأولى: أن من ملأ كوزا من الماء ثم قلبه انصب ذلك الماء ثم أنه أودع النطفة في قعر الرحم ثم خلق الرحم منكسا ثم حفظ فيه تلك النطفة بقدرته وحكمته وهذا وإن كان عجيبا بالنظر إلى قدرتنا إلا أنه غير عجيب بالنظر إلى قدرته وذلك أن أجرام السماوات والأرضين والجبال والبحار أثقل بكثير من تلك القطرة كما قال تعالى:
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ [1] فالذي أمسك السماء والأرض بقدرته من غير علاقة فوقها ولا دعامة تحتها كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [2] فبأن يقدر على إمساك النطفة في قعر الرحم بقدرته كان أولى وأحرى.
الفائدة الثانية: أنه تعالى سمى الرحم قرارا مكينا ومعلوم أن النطفة في الرحم ليست مستقرة بل بقيت معلقة في الهواء فكيف يجوز تسمية الرحم بالقرار المكين؟ وجوابه كأنه قيل: أنا أمسك النطفة في هواء الرحم بقدرتي كما يمسك
(1) غافر: (57) .
(2) فاطر: (41) .