فهرس الكتاب
الواحد منكم الشيء الثقيل في مستقر الأرض والمراد منه إظهار كمال القدرة ونظيره أنه تعالى سمى تخليق السماء بناء فقال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً [1] والشئ المعلق في الهواء لا يسمى بناء إنما الشيء المستقر على القرار هو الذي يسمى بناء إلا أن الجواب عنه كأنه قيل:
إني لما أمسكت بقدرتي السماء في جو الهواء كان ذلك السكون جاريا مجرى الذي يكون مستقرا على الأرض ويبني عليه البناء والمقصود منه التنبيه على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى فكذا هاهنا سمى الرحم بالقرار المكين لتقرير هذا المعنى.
الفائدة الثالثة: وهو أن استقرار النطفة في الرحم إنما كان بسبب أنه سبحانه وتعالى بقدرته وحكمته يحفظها فلما كان المستقر هو القدرة الأزلية ولا شك أن القدرة الأزلية مبرأة عن الخلل والعجز والزلل والنقصان لا جرم سمى البناء بناء والرحم قرارا ونظيره قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [2] يعني لها عمد غير مرئية وهي قدرة الله جل وعز وحفظه وحكمته والله أعلم.
الصفة السادسة: النطفة قوله تعالى في سورة الإنسان: إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [3] .
المشج في اللغة الخلط والأمشاج الأخلاط، قال صاحب الكشاف الأمشاج لفظ مفرد وليس بجمع بدليل أنه وقع صفة للمفرد وهي قوله: نطفة أمشاج ويقال أيضا نطفة مشج ولا يصح أن يكون أمشاج جمعا للمشج بل هما مثلان في
(1) البقرة: (22) .
(2) الرعد: (2) .
(3) الإنسان: (2) .