فهرس الكتاب
ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ [1] فما أعظم درجة الإنسان وما أعجب خلقته وذلك لأنه لما ذكر حالا من أحوال تخليقه ذكر عقيبه إما التهليل كما في الآيتين وإما التعظيم والتقديس كما في قوله تعالى:
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [2] .
الحكمة الثانية: إن كل نقاش وكاتب أراد أن يكتب شيئا على جسم فإنه يكتب ذلك النقش على ظاهر ذلك الجسم ثم إنه يصل الأثر من الظاهر إلى الباطن وهاهنا الحق سبحانه وتعالى أظهر آثار كتابته ونقشه وتصويره في الباطن وهو ظهور النقط الثلاث الدموية في الباطن أولا ثم سريانها من الباطن إلى الظاهر وهذا ليعلم أنه كما أن ذاته وصفاته لا يشبه الذوات والصفات فكذلك أفعاله لا تشبه أفعال سائر الفاعلين وإن اشتبه عليك هذا في مبدأ الخلقة والفطرة فله مثال حاضر في الحال وذلك لأن الأعضاء الظاهرة لا يتحرك ولا يسكن إلا إذا حدثت في القلب داعية وإرادة لذلك الفعل ومبعث ذلك الدواعي والإرادات في القلوب هو الله سبحانه وتعالى وهو المراد بقوله تعالى:"كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ"وبقوله عليه السلام: قلوب العباد بيد الله وبقوله عليه السلام: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن فالحق سبحانه وتعالى يكتب في القلب تلك الدواعي والإرادات ثم يتولد منها فنون الأفعال والحركات في ظاهر البدن فظهر أن تأثير قدرة الله يظهر الآن في القلوب والضمائر أولا ثم تسري تلك التأثيرات من البواطن والضمائر إلى الظواهر.
ولما عرفت هذا المعنى في الحال فاعرف مثله في تخليق البدن في الابتداء.
(1) الزمر: (6) .
(2) المؤمنون: (14) .